لمحة عن الاقتصاد الامريكي والعالم

د.أحمد لطفي شاهين

 

بقلم : د. احمد لطفي شاهين


يتساءل الجميع عن الأسرار الخفية وراء قوة الاقتصاد الامريكي، وهيمنتها على العالم، رغم الأزمات المتعددة التي عصفت بها وآخرها جائحة كورونا. وتعتبر امريكا في الواقع أكثر دولة استهلاكية في العالم، حيث تستورد الكثير من احتياجاتها من الخارج، كما تعتبر اليوم أكثر بلدان العالم مديونية، فقد تجاوزت ديونها الـ 12 ترليون دولار، وهو رقم هائل جدا، لم يُعرف له في التاريخ الحديث مثيلا، ولن يتمكن هذا البلد في أي حال من سداد ديونه أبدا، ورغم كل ذلك لا يزال هذا الاقتصاد متماسكا ومحافظا على تفوقه على بقية الاقتصاديات كأول اقتصاد عالمي بناتج محلي إجمالي يفوق الـ 18 ترليون دولار… ويحمل لقب الاقتصاد الأميركي أكبر اقتصاد في العالم معاني أكبر من أن الولايات المتحدة لديها أعلى ناتج محلي إجمالي قارب 19 تريليون دولار العام الماضي، فهي أيضا حاضنة لأكبر سوق استهلاكي في العالم، بالتالي، هي ثاني أكبر قوة شرائية عالميا. ولذلك يبقى اقتصاد الولايات المتحدة الخيار الأول للمستثمرين الأجانب، حيث تهيمن أمريكا على الاستثمار الأجنبي المباشر والذي بلغ حتى عام 2016نحو 11 تريليون دولار، وفقا لتقرير أصدرته منظمة الاستثمار الدولي ذلك الوقت ولكن بدأ الاقتصاد الامريكي يتراجع في هذا الجانب منذ ذلك الوقت حتى 2022 لصالح الاقتصاد الصيني حيث. أفاد تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” أن الصين تمتلك 163 مليار دولار من التدفقات المالية الواردة ، مقارنة بـ 134 مليار دولار نصيب الولايات المتحدة. ورغم كل ذلك ايضا فإن امريكا لا تزال الأقوى اقتصاديا عالميا .. فلماذا ؟؟ في امريكا يعتبر التصنيع أحد أهم القطاعات التي تدعم الاقتصاد حيث تبلغ مساهمة هذا القطاع تريليوني دولار سنوياً، وتمثل السلع الصناعية نصف الصادرات الأميركية ورغم ان امريكا، تعد ثاني أكبر مصنع في العالم بعد الصين،. إلا ان الاقتصاد الامريكي عمليا اقوى من الاقتصاد الصيني .. فلماذا ؟؟ لقد ظهرت الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية كقوة سياسية واقتصادية وعسكرية كبرى، وهيمنت على الكثير من المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة، كمجلس الأمن الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، كما تسيطر على “جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك” المسؤولة عن نظام سويفت ..والكثير من المنظمات العاملة في المجالات المختلفة، كما تمكنت من التأثير في القرار السيادي للكثير من الدول خصوصا دول العالم الثالث، وشهدت نموا اقتصاديا متسارعا وطفرة تكنولوجية وفتحت ابواب الاستقطاب للعقول والمستثمرين مقابل تسهيلات وامتيازات داخل امريكا لتشجيعهم . ولم تتمكن اي قوة في العالم من الوقوف في مواجهة النفوذ الأميركي على العالم باستثناء الاتحاد السوفيتي، لكن امريكا استطاعت تفكيكه بشكل غير مباشر بعد خطوات كثيرة عبر سنوات طويلة وفي ذات السياق الانتهازي الامبريالي تمكنت أمريكا من فرض عملتها المحلية (الدولار) كعملة عالمية، تستخدم في مختلف التداولات التجارية الدولية، وبهذه الطريقة تتمكن أمريكا من نهب موارد وثروات وخيرات البلدان الأخرى، إذ تقوم الخزانة الأميركية بطبع المليارات من الدولارات بدون أي غطاء نقدي ذهبي أبدا وتُستخدم هذه الكميات من الأموال التي قيمتها المعنوية لا تساوي سوى قيمة الورق العادي في استيراد المواد الأولية والمنتجات الضرورية من البلدان الأخرى خصوصا بلدان العالم الثالث، وعمليا تُعتبر هذه الموارد مسروقة وليست مباعة بل وتصبح السلع نفسها غطاءً نقديا للدولار في اكبر واوقح عملية غسيل اموال على مرأى ومسمع العالم كله وهذا ما يمنع الدولار من الانهيار، وبهذه الطريقة تتمكن أميركا من نهب ثروات غيرها من الدول بدون مقابل حقيقي ، فقط حفنة من الاوراق النقدية وبذلك تحافظ امريكا على تفوق اقتصادها مقابل الورق المطبوع الذي لا غطاء ذهبي له وانما الغطاء هو الهيمنة والقوة العسكرية والسيطرة على مؤسسات العالم ويعززها في ذلك الماسونية العالمية وربيبتها الصهيونية العالمية و كل ما تقدم يصب في صالح بقاء واستمرار الكيان الصهيوني الذي هو قاعدة متقدمة للغرب وأوروبا في خاصرة العالم العربي والاسلامي. ومن اسباب قوة اقتصاد امريكا انها تعتبر استخدام العملات الأخرى في التداولات التجارية بين الدول جريمة تستحق العقوبة عليه وبالفعل تم معاقبة كثير من دول العالم مثل كوبا وفنزويلا وليبيا والعراق وغيرها بالتعاون مع الامم المتحدة والمؤسسات الدولية والاقليمية وكل من يصفق لأمريكا رغم انها تسرق ثرواتهم وتهيمن على قراراتهم وتتدخل في سياساتهم ولا اعلم أين توجد عقول المسؤولين في تلك الدول الغنية بالموارد الطبيعية والبشرية ولا اعرف لماذا يخضعون للدولار الامريكي والسياسة الامريكية بهذا الشكل المهين للكرامة الانسانية لقد مثّل إعلان روسيا والصين مؤخرا استخدام عملاتها المحلية في التبادلات التجارية البينية، بادرة مهمة جدا للتخلص من التبعية لأمريكا، وخطوة مهمة على سبيل تحرير العالم من الهيمنة الأميركية التي تنهب ثروات الشعوب بمسمى الشراكة و الصداقة من ناحية و افتعال الحروب التي تستنزف خزائن الدول بشراء الأسلحة الامريكية بالسعر الذي تحدد امريكا من ناحيه اخرى ان تاريخ امريكا تاريخ دموي قام على القتل والدماء والفساد والربا الفاحش وفي كتابه الشهير “الطوفان: الحرب العظمى، أمريكا وإعادة صنع النظام العالمي” الصادر في نهاية عام 2015 يروي المؤرخ البريطاني “آدم توز” جانبا مهما جداً للحروب العالمية ، حيث تناول ظروف صعود امريكا كقوى اقتصادية عظمى لأول مرة في التاريخ حيث كان “جيه بي مورجان ” اغنى و أقوى مصرفي ومرابي في امريكا والذي مول الدول العظمى عبر قروض بقيمة خمسمائة مليون دولار لشراء الاسلحة لاستمرار القتال وهو من اعظم القروض في التاريخ في ذلك الوقت واشترط مورجان هو والمستثمرين ان تدفع بريطانيا وفرنسا ثمن الاسلحة واقساط القروض بالدولار الامريكي فقط ثم قام مورجان ببيع سندات الديون إلى مجموعة من المستثمرين الأمريكيين والذين اشترطوا ايضا ان تسدد بالدولار الامريكي وليس بالجنيه الإسترليني أو الفرنك السويسري. وبحلول عام 1916 فقط، بلغ مجموع القروض الأمريكية إلى بريطانيا وفرنسا حوالي ملياري دولار وهو مبلغ خيالي وتبلغ فوائده ملايين الدولارات باختصار، مول المستثمرون الأمريكيون المعارك والمذابح، وحرصوا طوال الوقت على استمرار الحرب وأن لا تنفذ الخنادق وساحات المعارك من السلاح أو الذخيرة وان يستمر الهدم والتخريب لان المستثمرين سيقومون لاحقا بتمويل تكاليف البناء والاعمار واستمر بيع المواد التموينية الامريكية للشعوب المشردة وبالأسعار التي يحددها المستثمر الامريكي وتحولت كثير من المصانع الامريكية من الانتاج المدني الى الانتاج العسكري لإمداد الدول المتحاربة ونلاحظ ان التاريخ يعيد نفسه والسياسة الامريكية لا تتغير وهي التي تستفيد من كل حروب الكون بالنهاية اقتصاديا ولا تتدخل امريكا في الحروب الا في نهايتها بعد أن يدمروا بعضهم البعض .. فأمريكا لا تقع أي معركة على أراضيها ابدا ولا يتعرض سكانها المدنيين وبنيتها التحتية الى أي خسائر وتدخل امريكا في النهاية ببعض اللمسات لترجيح كفة المنتصر ثم تشارك في احتفالات الانتصار وتأخذ نصيب الاسد من الغنائم وهذا هو جوهر الامبريالية الحقيقية وبعد انتهاء الاحتفالات، تستخدم امريكا ورقة الديون في إعادة تشكيل توازن القوى العالمية، وتستدعي القادة الأوروبيين إلى البيت الأبيض بدلاً من الاجتماع معهم في عواصمهم، وتدعي حرصها على الامن والسلم العالمي وتحصل منهم على تنازلات كبيرة جدا وفوائد ربوية كبيرة مقابل تحسين شروط السداد. , وحتى عندما تعرضت امريكا الى هجوم الحادي عشر من سبتمبر على ارضها استفادت جدا من الهجوم فيما بعد لتبرير كل حروبها وقرصنتها وسرقتها للثروات بذريعة مكافحة الارهاب ولكن امريكا لا تدرك انه لا شيء يدوم إلى الأبد. فالأساس الذي يقوم عليه النظام العالمي الحالي هو الهيمنة الاقتصادية الأمريكية والعربدة المستمرة منذ أكثر من قرن غير أن هذه الهيمنة أصبحت مهددة الآن أكثر من أي وقت مضى من روسيا و الصين وكثير من الدول المعادية لأمريكا والتي تطمح للتخلص من السيطرة الامريكية وترغب في تحقيق التكافؤ الاقتصادي مع امريكا. وربما لم يتحقق هذا التكافؤ بعد، ولكنه قريب بإذن الله وسيتغير حتماً شكل العالم الذي نعرفه الآن وسينزل الدولار عن عرشه الورقي وقد يختفي من الوجود كله لذلك انصح الدول العربية والمستثمرين العرب بامتلاك الذهب والمعادن الثمينة والتخلص من اوراق الدولار بأقرب وقت ولا يغركم ارتفاع اسعار الدولار حاليا لان هذا الارتفاع يشبه صحوة الموت ولان العالم اليوم خرج عن سيطرة الامبريالية ولن تستفيد امريكا من الحرب الاوكرانية كما تظن لان من يخطط لإفساد العالم يتناسى ان لهذا الكون رب يحميه من طمع وجشع اصحاب رؤوس الاموال اللاهثين خلف الربح على الاشلاء والجماجم وعذابات البشر. ستنتهي امريكا وسيزول الكيان الصهيوني ولن يبقى على هذه الارض الا الشرفاء المخلصين لأوطانهم الباحثين عن الحرية والاستقلال الحقيقي
 

نداء الوطن