التطبيع  ومآلات الضم

نداء الوطن - مقالات

محمد السهلي

لا تعترض إدارة ترامب جديا على ادعاء المطبعين بأن اتفاقهم مع دولة الاحتلال تأسس على إزاحة مخطط الضم عن سكة التنفيذ ، مع أنها تعرف أن الأمر غير ذلك على الإطلاق. حتى أن نتنياهو الذي سبق وأن حدد موعد الأول من تموز الماضي لبدء إجراءات الضم رسميا، اكتفى بالقول مؤخرا  إن المخطط مايزال على رأس أجندته موحيا بأن الموضوع مؤجل حاليا. وقد فهم من ذلك، تسهيل عملية التطبيع الجارية على قدم وساق مع عدد من الرسميات العربية ، والتي يريدها كل من ترامب ونتنياهو متتابعة وواسعة وسط بهرجة إعلامية تعكس «النقلة النوعية» التي حققتها صفقة ترامب ـ نتنياهو على المسار الإقليمي.

ثمة معادلة تمت صياغتها مؤخرا على يد الشريكين ترامب ونتنياهو تضع في كفتي الحساب كلا من عائدات التطبيع ومخطط الضم ، ليخلصا إلى أن تقديم موضوعة التطبيع (إعلاميا فقط) في الوقت الحالي للأسباب التالية:

  • خطوة التطبيع (بعكس الضم) تلقى تأييدا دوليا شبه شامل، حتى لو ربطت بعض الأطراف تأييدها بالتأكيد على ضرورة «حل الدولتين»، كما أن معارضي كل من نتنياهو وترامب رحبوا بالخطوة وأيدوها. وهي بذلك تشكل رصيدا إضافيا لهما يراهنان على أن يعوم عددا من تداعيات الأزمات المتفاقمة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة. وهذا يعني لترامب تحشيد القوى والاتجاهات المؤيدة لإسرائيل في دعم فرصه بتجديد ولايته رئيسا لأميركا، بما في ذلك تأييد أوساط محسوبة على الحزب الديمقراطي المنافس. كما يعني لنتنياهو تسويق نجاحه غير المسبوق في كسر عزلة إسرائيل وشطب الاجماع الرسمي العربي تجاه القضية الفلسطينية.
  • وعلى اعتبار أن التطبيع مسار من مسارات تطبيق «صفقة القرن»، فإن الترحيب به يعني حكما الترحيب بالصفقة في مسارها الإقليمي. ولأن المسار الفلسطيني يتأثر بالضرورة بتداعيات التطبيع، فإن الإجماع السياسي والشعبي الفلسطيني الرافض للتطبيع افتقد عمليا للتأييد الإقليمي والدولي كما تبدى في الموقف من مخطط الضم، وهذا بالنسبة لمهندسي الصفقة دعم لها وعزل للموقف الفلسطيني.
  • وعلى الرغم من إدراك نتنياهو أن عدم المباشرة رسميا في مخطط الضم يضر بشعبيته في أوساط المستوطنين ويفتح باب المزايدة عليه من أحزاب صهيونية مثل «يمينا»، إلا أن أطراف المشهد السياسي والحزبي في إسرائيل ،بمن فيهم المستوطنون، يعرفون أن مخطط الضم ماض على قدم وساق عبر الاجراءات التي تجري في الأغوار وشمال البحر الميت ومحيط القدس، كما أن نتنياهو يضع أمام المستوطنين معادلة مستجدة مفادها أن التطبيع مع اتساع دائرته يفقد الفلسطينيين كثيرا من الدعم العربي الرسمي السابق الذي كان يؤكد على ضرورة قيام دولة مستقلة لهم، وهو «الخطر» الذي رفضت أوساط واسعة من المستوطنين صفقة القرن تحسبا من وقوعه. وأن المطبعين العرب يتحدثون عن حل القضية الفلسطينية من على منصة صفقة القرن التي تنص صراحة على شطب الحقوق الفلسطينية وتطرح بدائل كيانية وإدارية واقتصادية خارج هذه الحقوق.

 كما أن نتنياهو يؤكد مرار أن الضم جار ، وأن ما تأجل منه هو المضي به بشكل معلن وعبر ترسيمه في الكنيست والحكومة. ومن المهم بالنسبة لنتنياهو أن يحافظ على تلازم مسألتي التطبيع والضم كي يضمن من الزخم والتأييد ما يكفي لتعويم الأزمات التي تواجهه على إيقاع الفشل في مواجهة تداعيات كورونا الصحية والاقتصادية.

التوظيف الأهم الذي يقوم به نتنياهو هو تسويق الربط مابين مسلسل التطبيع الذي يتسارع ومابين بقائه على رأس الحكومة. وبما أن التطبيع والضم بالنسبة لجدول أعماله مساران متكاملان، فهو يضع أمام الناخب الإسرائيلي خيار التصويت لصالح التقدم بمشروع قيام «إسرائيل الكبرى» من خلال التصويت له ولحزبه الليكود خلال الانتخابات القادمة، التي تجمع أطراف المشهد السياسي والحزبي في إسرائيل على أنها قادمة قريبا وأن نتنياهو فقط من يملك القدرة على توقيت حدوثها.

وبات واضحا أن نتنياهو دفع بالملفات الخلافية مع «كاحول لافان»  وخاصة إقرار الميزانية إلى أواخر العام الجاري، كي يحصد نتائج التطبيع المتسلسل الذي تتوالى حلقاته، وانتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية، دون أن يهمل إجراءات التطبيع التي يسعى إلى فرضها أمرا واقعا مهما كانت نتائج هذه الانتخابات.

المسألة الجوهرية أن كلا من التطبيع والضم يقعان في قلب رؤية ترامب ـ نتنياهو، وهما بالأساس محوران أساسيان في برنامج نتنياهو الاستعماري التوسعي. ولا يرى نتنياهو خطرا كبيرا على هذا المشروع حتى في حال خسر ترامب الانتخابات وجاء بايدن مرشح الحزب الديمقراطي لسببين:

  • لايوجد خلاف بين الحزبين الأميركيين الجمهوري والديمقراطي حول تشجيع التطبيع وتوسيعه .
  • أية اعتراضات متوقعة على ترسيم الضم من قبل الإدارة الديمقراطية ، في حال قدومها، لن تغير شيئا على الأرض في ظل تحول هذا المخطط إلى وقائع، تفرضه إسرائيل الجهة القائمة بالاحتلال. وقد أشار عدد من المحللين الإسرائيليين إلى أن إسرائيل قامت بالكثير من الإجراءات في الأراضي الفلسطينية دون رضى وموافقة الإدارات الأميركية ، وأن أي اعتراض أميركي على ماتقوم به إسرائيل في هذا  الخصوص لن يتحول إجراءات عقابية، مشيرين إلى الاستمرار في التوسع الاستيطاني في القدس ومحيطها رغم معارضة إدارة أوباما الديمقراطية.
  • صحيح أن مخطط الضم مختلف من حيث عما سبقه من إجراءات استيطانية ، لكنه عمليا جاء تتويجا لما طبق من خطوات استيطانية جرت عبر خطة منهجية على امتداد عقود منذ العام 1967. كما أن هدف إقامة«إسرائيل الكبرى» ليس حديث العهد بل طرح منذ وقت طويل، وهو النتيجة التي سعى إليها منذ بداية الاحتلال مهندسو الاستيطان في مراحله الأولى.

يمكن القول إن مسلسل التطبيع الذي نشهد حلقاته اليوم ، إضافة لمخاطره على مصالح شعوب المنطقة وأمنها ومستقبلها، يشكل رافعة مجانية للمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. ويمكن القول أيضا إنه على الرغم من هذه المخاطر الكبرى مايزال بيد الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية القول الفصل عبر تحويل رفض تصفية القضية إلى فعل نضالي شعبي وسياسي موحد عبر الانتفاضة الشاملة وتحت راية البرنامج الوطني التحرري الموحد.