الأربعاء، 27 تشرين1/أكتوير 2021

أنيس دولة.. صاحب الجثمان المفقود

عزيزة ظاهر

مضى زمن طويل، وروح الشهيد أنيس دولة ما زالت تنتظر من يخرجها من تلك المدافن البائسة، ويحررها من قيود الموت المظلم إلى فضاء الموت الوردي الذي يليق بالشهداء، أنيس شهيد جاع طويلا، وتعطش للحرية كثيرا.
تفاصيل يوم استشهاده المؤلمة ما زالت حية في ذاكرة السبعيني المحرر خالد الزبدة "أبو الوليد"  من مدينة طولكرم، والذي رافقه في الزنزانة 12 عاما حتى استشهد في 31 آب/أغسطس لعام 1980، يرويها لمراسلة "الحياة الجديدة" والألم يعتصر قلبه قائلا: "في تموز/ يوليو عام 1980 انطلق إضراب نفحة الشهير ذوداً عن الكرامة ومن أجل تحسين شروط الحياة الاعتقالية، ولاحقاً هبَّت السجون دعما وإسنادا وتضامناً، فخضنا معركة الأمعاء الخاوية من سجن عسقلان وقد تمت مهاجمتنا بقسوة وعنف من قبل سلطات السجن، واستمر الإضراب الذي حقق إنجازات تاريخية للأسرى 33 يوما، وكان استشهاد الأسرى علي الجعفري وراسم حلاوة وإسحق مراغة ثمنا لذلك الانتصار، وظل الأسرى يعانون آلاما شديدة حتى بعد انتهاء الإضراب، وآلام أنيس كانت مضاعفة فقد كان يعاني من مرض القلب الذي صاحبه منذ أن خاض إضراب عسقلان الشهير أواخر عام 1976 حتى بدايات عام 1977 لمدة شهرين تقريبا على فترتين تفصلهما أيام معدودات، ما تسبب له بالعديد من الأمراض تحولت مع الوقت لأمراض مزمنة سببت له العديد من الآلام والمشاكل الصحية".
ويتابع أبو الوليد، في يوم استشهاده قرر أن يخرج لساحة الفورة برفقتنا لممارسة الرياضة، إلا أن جسده المنهك لم يحتمل، فسقط على الأرض مغشيا عليه، وحملناه أنا والأسير جودت قبها لعيادة السجن، فقام الممرض المدعو آرمون بوضع ماء الغرغرة في فمه وما زال مغمى عليه، فكاد يختنق، فصرخت بوجه الممرض على تصرفه وإهماله بإنقاذ أنيس، وفي تلك اللحظة دخل ضابط أمن السجن الذي كان شديد الحقد على أنيس، فطلب مني المغادرة فورا، وإلا سيتهمنا بعرقلة عمل الممرض والتسبب بتعريض حياة أنيس للخطر، فغادرنا المكان تحت تهديد السلاح، وبعد نصف ساعة فقط أخبرونا بوفاته ومنعونا من رؤيته وإلقاء نظرة الوداع عليه.
ويشكك أبو الوليد بادعاء الاحتلال وفاته في حينه، ويتوقع أن يكون قد زج به بزنازين عسقلان السرية تحت الأرض، لا سيما أنهم بعد مرور عامين على استشهاده أعلنوا عن تشريح جثمانه، فكيف يتم تشريح الجثمان بعد عامين من الوفاة؟ يتساءل أبو الوليد بحرقة وألم، مرجحاً أن يكون أنيس مدفوناً في ساحة معتقل عسقلان.
وكان أنيس المولود في قلقيلية في العام 1944، انضم لصفوف الثورة الفلسطينية في العام 1966، وتدرب على الأسلحة وخوض الاشتباكات من خلال عمله ضابطاً احتياطياً في معسكرات الجيش الأردني، في أعقاب هزيمة 1967، ليشكّل مع رفيقه الشهيد عمر القاسم خلايا فدائية، لتعزيز العمل العسكري في الضفة الغربية
وفي أواخر العام 1968، فجر أفراد مجموعته مقر الحاكم العسكري في نابلس، ليشتبك أنيس مع جيش الاحتلال للتغطية على انسحاب أفراد مجموعته التي عادت إلى الأردن، ويصاب برصاصة في ساقه ويعتقل بعد مطاردته ساعات.
تعرّض أنيس خلال فترة التحقيق معه وقبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن أربعة مؤبدات، لأبشع صنوف التعذيب من ضرب وحرمان من النوم وحبس في غرفة ضيقة وعزل في زنزانة انفرادية، والتعرض لموسيقى صاخبة وصدمات كهربائية، وغيرها، ما أدى إلى حدوث ضعف في عضلة قلبه.
لم تحقّق والدة الشهيد أنيس دولة أمنيتها في احتضان جثمان فلذة كبدها المفقود المغيّب في مقابر الاحتلال، إذ غيّبها الموت عام 2010 قبل أن تقبل رفاته القبلة الأخيرة، وقبل أن تقرأ الفاتحة على قبره، يقول فادي ابن شقيق الشهيد.
ويوضح حسن دولة شقيق الشهيد أن العائلة تقدمت بشكوى لمركز القدس للمساعدة القانونية، لتبقى قضيته حية وقائمة، وقام المركز بنقل ملفه إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، فردت إسرائيل في جلسة المحكمة التي عقدت عام 2010 بأن "الجثمان مفقود"، ما يؤكد احتمالية سرقة أعضائه أثناء التشريح، وهذا بحد ذاته جريمة حرب.
 
بعد 41 عاماً على استشهاد أنيس، وتزامنا مع اليوم الوطني لاسترداد الجثامين الذي يصادف في 27 آب/أغسطس من كل عام، يزداد إصرار عائلته على استعادة جثمانه، رغبة في تنفيذ وصية الأم الراحلة بالعثور على جثمان ابنها وألا سيبقى مفقوداً في مقابر الأرقام الإسرائيلية.