مقال بعنوان سيدة من الجنة

المجموعة: مقالات كتب بواسطة: نداء الوطن

مع كل اشراقة شمس يوم جديد وزقزقة العصافير ، تخرج سعاد من بين الركام لتصارع من أجل البقاء ، من شمال شرق غزة وبالقرب من السياج الحدودي الفاصل ما بين غزة والخط الأخضر ،ترى البيوت المهدمة و بيت واحد شامخ كالجبال برغم موجة القذائف التي وجهت إليه فى حرب 2014، ومنذ ذلك اليوم الذي فقدت سعاد زوجها فيه تعيش مع ابنائها ، وكالعادة و في كل صباح تخرج سعاد متوجهةً إلى الوزارة حيث تعمل فيها ، بعد أن أيقظت أبنائها وجهزتهم للذهاب إلى المدرسة ،تمشي سعاد في الشارع رويداً رويداً ، تمشى وتفكر تستغرب تنظر إلى الدمار الشامل الذي حل بمنطقتها تنظر إلى الأبواب والأعمدة المتساقطة أرضا ً ،تنظر إلى حكايات ماضي جميل في الطرقات،خلال عشر دقائق وهى تسير في الطريق تسترجع سعاد عشرون عام مضت ، ومع كل يوم وفي نفس التوقيت تتذكر صاعقة يوم الخميس الصباحية ، والتي نزعت رحيق الابتسامة من كل صباح قادم ، تلقي بنظرها نحو الأرض فترى الرمال وكأن حبيباته تتحدث لا تحتاج إلى قصاص اثر فكل شيء واضح ، و بريق شمس مثقلٌ عاجزٌ عن تجفيف أثار دماء أعزاء على القلوب ، فكل شيء ما زال ناضح ، وفي الساعة السابعة والنصف ركبت سعاد السيارة ، ولعل القدر له حكمة ،فقد ركبت بجانبها مواطنةٌ أخرى ، ومعها ابنتها الصغيرة ذو الوجه الشاحب والجسم الهزيل الذابل ، سألها السائق الى أين ؟؟ قالت إلى المستشفى ، وإذا بعيناها دمعتان تنهمران ، فسألتها سعاد ما بك ؟؟ قالت هذه ابنتي تعانى من مرض السرطان وقد منعت من قبل الاحتلال دخول الخط الأخضر للعلاج بحجة رفضها امنيا ً ،وكانت الأم تبدو عليها ملامح التعب والإرهاق ، تسير السيارة في شوارع غزة لتتوقف فجأة في منتصف شارع الجلاء غرب غزة،حيث يتم تشييع جنازة شهيد ، سقط وهو يحفر نفق على الحدود معلناً كسر الحصار ،وليأتي بقوت أطفاله الصغار ، وعبر مكبرات الصوت تتلى الآية القرآنية ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) تسمعها سعاد وتردد شهدائنا أحياء عند ربهم ، أما نحن أصبحنا أموات ولكن على قيد الحياة ،وتستمر الحكاية وتنزل المواطنة وابنتها المريضة أمام مستشفى الرنتيسى للأورام ، أما الشهيد سار موكبه نحو مرقده دافنا ًمعه أحلامه وأماله ووطنه وحكاياته .....

وأكملت السيارة مسيرتها حيث تعمل سعاد، وبالضبط وفى الساعة الثامنة والنصف كانت سعاد على رأس عملها في الوزارة ،لتسبق وصول صديقتها في العمل ، وبعد نصف ساعة وبحمد الله وصلت صديقتها ،سألتها سعاد ماذا حل بك ؟؟؟ وماهى أسباب تأخيرك؟؟؟ فأجابتها لقد قطعت الكهرباء وتعطل المصعد الكهربائي فى البرج الذي اقطن فيه وأنا بداخله وانتظرت حتى تم تشغيل المولد بعد جلب الوقود بمعاناه ومن تم عاد المصعد للعمل من جديد ، تستمع إليها سعاد ويراودها العديد من الأسئلة ، إلى متى ستتسمر معاناة أهلنا في غزة ؟؟؟؟؟ أزمةٌ تلو أزمةٌ ،وكأنها تتسابق في أعنف ثوراتها من كهرباء ومياه ووقود وبطالة وحصار وغيرها ،تقابل سعاد أثناء عملها العديد من االمراجعين في الوزارة فكل من يذهب إلى الوزارة تراه كئيباً حزينا ًفي بلده كأنه غريباً ،ومع نهاية الدوام تستعد سعاد للمغادرة وتركب الحافلة متوجهةً نحو بيتها ، فكل من في الحافلة يشكون لله يتضرعون ،سعا د وهى ذاهبة إلى عملها كانت تتذكر أحزانها ولكنها في طريق العودة تتذكر معاناة شعبها ، فمنهم من يبكى وأخر يشكى ، وتصل سعاد إلى بيتها تحتضن أطفالها ، وتعد لهم الطعام ، ومن ثم تجلس معهم لمراجعة دروسهم ،فهم من الطلاب المتفوقين والمتميزين في كل عام دراسي ، وخلال تدريسها لهم تجيب على أسئلتهم العلمية ، لكنها لا تستطيع الإجابة على أسئلتهم الحياتية ،يسألونها دوما ّمتى سيرجع أبى ؟؟ ومتى سيلعب معنا مجدداً ؟؟؟ وهل سنزرع معه أشجار الليمون ؟؟؟؟ فتقوم سعاد باللعب معهم وبمداعبتهم ،تحاول أن تجد بصيص أمل في نظرات أبنائها البريئة ،ورغم كل ذلك فهي تشكر الله على نعمه عليها ، نعمة الصحة والعافية ونعمة البنون والرزق وغيرها من النعم ، ومع كلمة الله اكبر يؤذن المؤذن لصلاة المغرب ، تغرب شمس يوم حافلُ بالأحداث والقصص ،ويسدل الستار على أبطال الحرية والصمود ، ومع كل دمعة على زوجها الشهيد ينتابها قليل من الفرح حين ترى ابتسامات أبنائها وهم نائمون كالملائكة تغمر أرجاء المكان ،أما سعاد سيرتها أهلتها لأن تكون سيدة في الجنة ، فهي شهيدة الصمود والتحدي والإرادة شهيدة تبنى عماداً للمجتمع ، فإذا كانت الجنة تحت أقدام الأمهات ، فسعاد هى سيدة الأمهات في الجنة ، وتغمض سعاد عيناها لتعلن نهاية يوم من أيامها كان حاضراً وأصبح ماضياً .... في قائمة الذكريات

غادة عايش خضر