دروسٌ طالبانية متعددةُ الاتجاهاتِ ومختلفةُ العناوين "5"

مخاوفٌ مشروعةٌ وهواجسٌ مبررةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

ما زال الحدث الأفغاني هو الحدث الأبرز والأكثر صخباً، وهو الأكثر حضوراً وتحليلاً في الأوساط السياسية والإعلامية، ولدى الأنظمة والحكومات والمنظمات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان وغيرها، فضلاً عن المراقبين والمتابعين من العرب والمسلمين الأكثر تأثراً بما يحدث، فهم وغيرهم غير قادرين على استيعاب ما جرى، أو القبول بما آلت إليه الأوضاع في أفغانستان، والاطمئنان إلى الواقع الجديد والتسليم به، ولديهم ما يبرر خوفهم ويجيز قلقهم، ويفرض عليهم الاهتمام بمجريات الأمور وتطور الأوضاع في هذا البلد، رغم أنه نائي عن بعضهم وبعيد، إلا أن ماضيه الأليم حاضر، والصورة القاتمة التي رسمت فيه ما زالت عالقة في الأذهان ولم تنسَ.

 

فقد هالهم جميعاً تتابع الأحداث وتوالي المستجدات، وأربكهم وصدمهم، وأيقظ عندهم جميعاً المخاوف القديمة والهواجس المخيفة، التي ارتبطت بها حركة طلبان وعُرفت بها، وعانى منها شعبها والعالم، إذ ذاقوا المر خلال فترة حكمها وسنوات سيطرتها، وشكوا من سياستها، وعانوا من أفكارها، وتعقدت حياتهم نتيجة تطرفها المفرط وتشددها المنفر، حتى غدت نموذجاً مكروهاً ومثالاً منبوذاً، وتجربةً سيئةً تمنوا لو أنها ما كانت، بالاستناد إلى المظاهر السلبية التي خلقتها، والسلوكيات العجيبة التي مارستها، والقوانين الظالمة التي فرضتها، والأفكار المتطرفة التي صدرتها، والمجموعات التكفيرية التي كونتها وآوتها، وساعدتها وأيدتها.

 

لهذا يعُذرُ كل من شكك في الحركة وخاف منها، وتوجس من سياستها وقلق على المستقبل في ظلها، أو لم يصدقها ولم يطمئن إليها، فهي لم تستطع بعد أن تغير الصورة النمطية التي خلفتها سنوات حكمها، فقد كانت حركة ظلامية متطرفة متشددة، مستبدة ظالمة منحرفة، قيدت الحريات، وحاربت الأفكار، وانتهكت حرية الإنسان، وعادت الجوار، وانبتت عن المحيط، وألبت المجتمع الدولي كله ضدها، وخسرت الأصدقاء والحلفاء، وفقدت المحبين والمناصرين، وغدت تتصرف مغالاةً وكأنها خليفة الله عز وجل على أرضه، تحاكم وتجرم وتخون وتكفر وتقتل، وتشرع ما تريد وتفرض ما يحلو لها، فأرهبت شعبها وخوفت أهلها، وشوهت ديننا وأضرت بسمعة إسلامنا.

 

يجب على حركة طالبان أن يتسع صدرها لكل هذه الانتقادات، وأن تغفر لمن شك فيها واتهمها، ولمن لم يثق فيها وكذبها، ولمن يخشى عليها ويتمنى صدقها، ولمن يرجو صلاح أمرها وتغير حالها، وعليها أن تبرر للجميع مخاوفهم وتقبل منهم هواجسهم، فماضيها يصعب تجاوزه، وسياستها القديمة يتعذر نسيانها، والطريقة التي تمت فيها السيطرة على البلاد مثار شبهةٍ وموضع اتهام، فأمريكا ليست سهلةً ولا بسيطةً، وليست جاهلةً أو سفيهةً، فهل من اتفاقياتٍ سريةٍ بينهما، وهل هناك شروط التزمت بها، ومهامٌ ستقوم بها بالنيابة عن الأمريكيين، وهل ما حدث على الأرض هو عملية استبدال للأدوات وتغيير للموظفين فقط، وأنها ستفي لأمريكا بما طلبت، وستلتزم تجاهها بما تعهدت.

 

وهل ستحافظ الحركة على حقوق الإنسان، وتحترم مواطني بلادها وتصون كرامتهم وحريتهم، وعلى وجه الخصوص المرأة الأفغانية التي اضطهدت في عهدهم الماضي وظلمت، وعانت وأهينت، وسجنت في بيتها وضربت بتهمة نشوزها، وهل ستعود إلى ضوابطها المسلكية وشروطها الحديدية المتعلقة بالهيئة العامة واللباس، وإطلاق اللحى للرجال، وفرض النقاب على النساء، وحرمانهن من التعليم والعمل، ومن التجول والتنقل، وإكراههن على الزواج صغيراتٍ، ومعاقبتهن على استخدام الزينة أو ظهورهن في الأماكن العامة، وغير ذلك مما فرضته على سكان البلاد من شروطٍ وقيودٍ وصفت بأنها مذلةٍ ومهينةٍ.

 

وهل ستلتزم بتشكيل حكومة وحدةٍ وطنيةٍ جامعةٍ، تشارك فيها كل الاثنيات والقوميات والمذاهب، ولا تستثني أي مكونٍ أفغاني إلا أن يختار بنفسه عدم المشاركة، أم أنها ستعود فتستأثر بالحكومة وحدها، وتفرض نظامها الخاص وتصورها القديم للسلطة، وتعيد مجالس الشورى وأهل الحل والعقد العقيمة في البلاد، وبذا تؤسس من جديدٍ لنظامٍ قمعي شمولي ديكتاتوري، كذاك الذي كان قديماً وكان سببا في انفضاض الشعب من حولهم، وتخلي العرقيات الأخرى عنهم، وتأليب المجتمع الدولي ضدهم.

 

وهل ستحترم دول الجوار وشعوب المنطقة، فتسالمهم وتعاهدهم، وتضمن أمنهم وسلامة أراضيهم، ولا تستخدم بلادهم بما يضر بأمنهم أو يفسد حياتهم، وتعلم أن أمنها من أمنهم، وأن استقرار بلادها من استقرار بلادهم، وتلتزم بمحاربة الإرهاب وتجفيف منابعه، ومنع انتقاله إلى دول الجوار أو إلى غيرها، وتكف عن تصدير الأفكار المتطرفة والجماعات المتشددة، وتؤمن بالوسطية والتسامح، وبالمصالحة والتعايش، وترفض المذهبية والطائفية، وتعزز التعددية السياسية وتضمن حرية الاعتقاد الديني والانتماء المذهبي.

 

ربما يشعر البعض أن طالبان صادقة في توجهاتها، وأنها جادة في تغيير صورتها القديمة، وتبديل سياستها السابقة، فانتشارها الآمن في الولايات الأفغانية، والتزامها عدم استخدام القوة ضد المواطنين، إلا من بعض الحوادث القليلة المتفرقة، واحترامها لمؤسسات الدولة الإدارية، وشرطتها المرورية وهيئاتها القضائية، وإعلانها الحفاظ على مؤسسة الجيش، وعدم حله وتفكيكه، ودعوة جميع المنتسبين إليه بالعودة إلى ثكناتهم، وجميع الموظفين بالالتزام بوظائفهم، ودعوتها لتشكيل حكومة وحدةٍ وطنيةٍ تشمل جميع مكونات الشعب الأفغاني، فضلاً عن إعلانها العفو العام عن جميع المتعاونين السابقين، والمترجمين والإعلاميين وغيرهم، وترحيبها بتسهيل سفر كل من أراد مغادرة البلاد والخروج مع القوات الأجنبية.

 

ما زال الوقت مبكراً جداً للحكم على حركة طالبان والاطمئنان إليها، وحتى ذلك الحين ينبغي عليها القيام بالكثير من المهام التي ذكرت آنفاً وغيرها، حتى نطمئن إليها ونثق بها، ونصدقها وندافع عنها، وحتى تنفذ تلك الالتزامات وغيرها، فإن عليها أن تغض الطرف عن كل صوتٍ صاخبٍ وناقدٍ، وأن تسكت عن كل متخوفٍ وقلقٍ، وأن تغفر لكل مشككٍ ومتهم، حتى تثبت لهم العكس، وتظهر لهم الوجه الأصيل لأفغانستان الجديدة، التي لا وجود  فيها لأمريكا ظلاً تابعاً أو فعلاً ظاهراً.