عن قطاع الإتصالات ودعم الإحتلال

 

معن سمارة

 

ثمة أمور تخرج عن نطاقها الإجتماعي الفلسطيني، وتدعو فعلا للذعر...

وثمة كلام يخرج عن المنطق، ويتوه تماما كما تتوه رؤانا العامة في فلسطين هذه الأيام.

وثمة رغبة في تدمير بنية إقتصادية تساهم في بناء المجتمع الفلسطيني، وتوفر فرص عمل كبيرة وحقيقية للكثير من الشباب الفلسطيني، وتدعم فيما تدعم الشركات الصغيرة والمؤسسات الإجتماعية التعاونية والنسوية في المناطق المهمشة والأرياف.

وثمة توجه عند البعض في أن تظل فلسطين معتمدة إعتمادا كليا على الدعم الخارجي للمؤسسات والطلبة والثقافة.

وثمة رؤية لتشويه الموظف الفلسطيني الذي يعمل في قطاع الإتصالات  أمام أسرته وعائلته، وتصويره كأنه الغول الذي ينهش في البلاد وأهلها.

وثمة رجال أعمال مشبوهين يحاولون بيعنا فلسطينيتهم الكاذبة للتجارة في إقتصادنا، ومن ثم بيعه للمستثمر الإسرائيلي.

يمكن تلخيص صور الحراك ضد شركات الإتصالات الفلسطينية بهذه ( الثمات) أعلاه برغبة البعض في قتل إقتصادنا الوطني عن سبق إصرار وترصد.

فهذا الحراك ، والذي يبدو ظاهريا، بأنه حراك مطلبي إجتماعي نحن جميعا نؤيده من حيث المبدأ الأساسي في تخفيض الرسوم لأسعار المكالمات والإنترنت في فلسطين، ولكنه عند النظر بعمق الأشياء وتفاصيلها فإن هذا الحراك يقودنا إلى الهاوية، ويدعونا إلى الإنتصار للمنتج الإسرائيلي، ويؤسس لإستعادة إسرائيل هيمنتها الكاملة على الإقتصاد الفلسطيني برمته خصوصا في ظل حالة الترهل الثقافي، والعمل المفاهيمي لمقاومة الإحتلال، وبناء الشباب الفلسطيني.

لا أفهم كيف يحاول البعض تقزيم العلاقة بين شركات الإتصالات الفلسطينية والمواطن والدولة والعمل الأهلي بشتى مجالاته بعلاقة شريحة ورصيد وأسعار مكالمات فقط. ويتناسى، بشكل مقصود، أن هذه العلاقة هي منظومة كاملة من العمل والتعاون والتطوير والبناء. يتناسوا الدور الذي تلعبه هذه الشركات عبر برامج مسؤوليتها الإجتماعية المختلفة، والمبالغ الطائلة التي تستمثر في هذا المجال لدعم الطلبة، والعائلات الميسورة، والمؤسسات الثقافة، والمستشفيات، والمراكز الشباية، والإبتعاثات التعليمية، وينسوا أيضا دور هذه الشركات في تدريب وتوظيف الأيدي العاملة الفلسطينية، ودورهم في حماية الإقتصاد الفلسطيني من العبث. أنهم ينسون تماما كافة العراقيل التي تضعها إسرائيل كجهة إحتلال غاشم على عملهم، والتحديات التي يواجهونها يوميا للتغلب على هذه المعيقات والعراقيل لتظل خدمات الإتصال الحديث . ويتناسوا أيضا حجم المبالغ التي يضخها هذا القطاع لخزينة الدولة، ودور ذلك في سريان شريان الحياة في فلسطين عبر توفير الرواتب، ومحاولة الخروج من عباءة الممول الأجنبي.

 

أنهم يغمضون أعينهم، ولا بيصرون كل ذلك، ولا يرون أن هذه شركات هي شركات مساهمة عامة تضم آلاف المساهمين الفلسطينيين، وينسون تماما أن قطاعات إقتصادية  كبيرة أخرى في فلسطين قائمة على تطور هذا القطاع. أنهم لا يرون أن إستقلال هذا القطاع قد منحه مساحات واسعة من التطور والتقدم، وسهل حياة المواطن الفلسطيني بشكل كبير في التواصل مع المحيط المحلي، والعالم الخارجي.

لقد صار من الضروري أن نميز بين مطالب مجتمعية قد تكون محقة في تخفيض أسعار الخدمات التي تقدمها هذه الشركات بإتفاق مع جمعية حماية المستهلك ووزراة الإتصالات ، وضمن المعقول، وبالشكل الذي لا يضرها ولا يضر حجم إستثماراتها وطموحاتها المستقبلية وبين غوغائية الحراك ضد هذه الشركات، ودعم الشرائح الإسرائيلية بما يخدم الإحتلال وتوجهاته في إعادة السيطرة على قطاع الغتصالات الفلسطيني.

لقد صار من الضروري أن نقف بصدق أمام كل محاولات إستغلال حاجة الناس ووضعهم الإقتصادي لتمرير أفكار وبرامج وأطماع شريكة  للإحتلال وتوجهاته. وربما هنا يجب على وزارتي الإقتصاد والإتصالات الفلسطينية بشكل خاص والحكومة الفلسطينية بشكل عام أن تقف في وجه هؤلاء، وترفض ترويجهم المستمر للبضائع والشرائح الإسرائيلية، ومقارناتهم للأسعار بين الشركات الفلسطينية والإسرائيلية، وتبرير ذلك.

لقد أصبح من حق المواطن الفلسطيني على هذه الوزارات  أن يفهم ما يجري حوله، وأن يزال الشك الذي يعتريه بالإستغلال.