البر الفلسطيني بالمفاوضات بين العصا والجزرة

 

بقلم:  أ. سلوى محمد ساق الله

لازالت الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب تناور الجانب الفلسطيني من أجل تحقيق سلام مع الطرف الإسرائيلي. تأتي هذه المناورات في شكل شروط تفرضها الإدارة الأمريكية تتمثل في تخلي السلطة الفلسطينية عن أي شروط مسبقة لبدء سلسلة جديدة من المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي، والمظلة الراعية لهذه المفاوضات. وليس من العجيب أن تكون هذه الشروط وتحديداً الشرط الثاني المتعلق بالجهات الراعية لعملية المفاوضات القادمة وهي مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات والأردن والتي تربطها حالياً علاقات فاترة مع القيادة الفلسطينية، في ظل أنها تتمتع بعلاقات قوية مع خصوم القيادة الفلسطينية، وتحديداً محمد دحلان المفصول من حركة فتح منذ عام 2011. والسؤال لم اقتصرت الرعاية على الرعاية العربية، دون وجود غطاء دولي عادل وأطراف يمكن القول انها صديقة وداعمة لوجهة نظر الطرف الفلسطيني تجاه قضيته؟

حقيقةً إن ما يطلب من الفلسطينيين حالياً رغم كل التنازلات التي قدموها مسبقاً يمكن وصفه بأنه صورة صارخة من العبودية السياسية تجاه السادة الكبار، والمطلوب هو إطاعة الأوامر فقط، والتنفيذ دون الإعتراض أو إبداء الرأي على أي قرارات يتم اتخاذها على الأقل في الخطوات الأولى التي تُشكل فيها خريطة طريق المفاوضات، والتي من الوارد جداً فيها إقرار الفلسطينيين على الاعتراف بالاستطيان الذي يلتهم الأراضي الفلسطينية يوماً بعد يوم، أو على الأقل التعتيم عليه في ظل السماح للطرف الإسرائيلي بالعربدة يميناً ويساراً نحو تحقيق مطامعه. ويمكننا القول أن الشروط المطلوبة من الفلسطينيين تعتبر مجحفة بمعنى الكلمة!

لا شك أن زيارة نتنياهو للبيت الأبيض قبل عدة أسابيع وضعت الخطوط العريضة للسياسات المستقبلة للإدارة الأمريكية في التعاطي مع القضية الفلسطينية والوضع في المنطقة، وسيوفر السفير الأميركي في إسرائيل والذي يعد من المؤيدين للاستيطان لمسات دعمه لهذه السياسة والسعي إلى تطبيقها وخاصة أن الشرق الأوسط يمر بظروف سيئة ومعتمة الأفق. حتماً ستحترم الولايات المتحدة مصالحها مع إسرائيل بل ومن المنطقي أن تحميها، على الأقل لتقليل فرص تصادم الإدارة الأمريكية مع اللوبي الصهيوني الأمريكي.

إن جبروت السياسة الأمريكية تفرض سياسة العصا والجزرة في لعبة المفاوضات وفي إدارتها لملف الصراع العربي – الإسرائيلي بحيث أنها ترغب في الحصول على تغيير حقيقي وملموس في الموقف الفلسطيني مدعماً بالفعل بعيداً عن خطابات لا تعتبرها كافية، فتطلب الإدارة الأمريكية في شكل إملاءات تفرضها على الطرف الفلسطيني كتغيير الخطاب الإعلامي الفلسطينية والوطني تجاه إسرائيل، وعدم وصفها بالاحتلال، ووقف جميع صور التحريض الخطابية والخطط الحزبية الداخلية ضد تل أبيب، وقمع المقاومة الفلسطينية بكل الأشكال بدء بالاعتقال وصولاً إلى تفكيك خلايا المقاومة الفلسطينية، وإيقاف الدعم عن أسر الشهداء، ووراتب الأسرى باعتبارهم مخربين. والمحصلة هي تعرية الجانب الفلسطيني تماماً من أجل حمل راية الاستسلام.

ترمي الإدارة الأمريكية والخطط الإسرائيلية جزرة هي العيش بأمان وسلام، أما العصا فهي التلويح بوقف الدعم الدولي عن السلطة الفلسطينية من أجل قتل شريان رئيسي يغذي السلطة من أجل الضغط عليها من ناحية، ومن أجل وقف تحويل الأموال إلى قطاع غزة المحاصر والذي يعتبر الأشد خطورة على أمن المنطقة.

يؤمن الفلسطينيون بأن سياسية ترامب هي معادية لهم، ومؤيدة لنتنياهو واليمين المتطرف في إسرائيل، الأمر الذي ينتج عنه وعود زائفة كالعادة والاستمرار في دائرة مفرغة دون نتائج مجدية على الأقل للجانب الفلسطيني، حيث من المتوقع أن يتم إعادة المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي شكلياً لا أكثر، مقابل تجميد مؤقت للاستيطان، ونتنياهو لن يقدم شيء ولن تقوم أمريكا بأي ضغط عليه، وأن الفلسطينيين سيعودون كما هو حالهم دوماً صفر اليدين إلا في حال أنهم قدموا التنازلات المرغوبة.

يعد الرهان على الخارج عامة بما فيه المجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية الواهية واقعياً رهاناً خاسراً، وعلى القيادة الفلسطينية الحفاظ على صلابة الموقف الفلسطيني وأن تفكر جيداً قبل الدخول في أي خطوة غير محسوبة، وأن تعيد النظر جيداً بالاتفاقيات السابقة، على أن يكون مرجعيتها العليا في ذلك إرادة الشعب الفلسطيني، إلى جانب إجراء انتخابات لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي لا شك أنها ستغير كثيراً في الخريطة السياسية على المستوى الداخلي، والخارجي لما ستحمله من تهديد لإسرائيل بطريقة أو أخرى.